علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
66
ثمرات الأوراق
في طالعك لأرى أي دواء يوافقه ، فلمّا أصبح قال : أيّها الملك ، الأمان ! فلمّا أمّنه قال : رأيت طالعك يدلّ على أنّه لم يبق من عمرك غير شهر واحد ، فإن اخترت عالجتك ، وإن أردت بيان ذلك فاحبسني ، فإن كان لقولي حقيقة فخلّ عنّي ، وإلّا فاقتصّ منّي . قال : فحبسه ، ثم رفع الملك الملاهي ، واحتجب عن النّاس ، وخلا وحده مغتمّا ، فكلّما انسلخ يوم ازداد همّا وغمّا ، حتى هزل وخفّ لحمه ، ومضى لذلك ثمانية وعشرون يوما ، فبعث إليه وأخرجه ، فقال : ما ترى ؟ فقال : أعزّ اللّه الملك ! أنا أهون على اللّه من أن أعلم الغيب ، واللّه إنّي لم أعلم عمري ، فكيف أعلم عمرك ! ولكن لم يكن عندي دواء إلّا الغمّ ، فلم أقدر أن أجلب إليك الغمّ إلّا بهذه الحيلة ؛ فإن الغمّ يذيب الشّحم . فأجازه على ذلك ، وأحسن إليه غاية الإحسان ، وذاق حلاوة الفرح بعد مرارة الغمّ . قلت : ويعجبني قول جعفر بن شمس الخلافة في هذا المعنى : هي شدّة يأتي الرّخاء عقيبها * وأسى يبشّر بالسّرور العاجل وإذا رأيت فإنّ بؤسا عاجلا « 1 » * للمرء خير من نعيم زائل ويعجبني قوله ، وإن كان في غير ما نحن فيه : مدحتك ألسنة الأنام مخافة * وتشاهدت لك بالثّناء الأحسن أترى الزمان مؤخّرا في مدّتي * حتى أعيش إلى انطلاق الألسن ! * * * نادرة لطيفة نقل عن قاضي القضاة شمس الدين بن خلّكان في تاريخه أنّ الجنيد قال : ما انتفعت بشيء كانتفاعي بأبيات سمعتها ، قيل له : وما هي ؟ قال : مررت بدرب القراطيس ، فسمعت جارية تغنّي من دار ، وتقول هذه الأبيات : إذا قلت أهدى الهجر لي حلل الأسى « 2 » * تقولين لولا الهجر لم يطب الحبّ وإن قلت هذا القلب أحرقه الهوى * تقولي بنيران الهوى شرف القلب وإن قلت ما أذنبت قلت مجيبة * حياتك ذنب لا يقاس به ذنب فصعقت وصحت : فبينما أنا كذلك إذ خرج صاحب الدار فقال : ما هذا يا سيّدي ! فقلت له : مما سمعت ، فقال : إنها هبة منّي إليك ، فقلت : قد قبلت ، وهي
--> ( 1 ) ب ، ج ، د : « وإذا نظرت » . ( 2 ) ج ، د : « حلل البلى » .